هشام جعيط

297

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

- 21 - رجوعا إلى التقاليد العربية : الجبّانات والصحاري ذكر اليعقوبي في كتاب البلدان أن كل قبيلة اختطت مع رئيسها « 1 » قال : « وكان لكل قبيلة جبانة تعرف بهم وبرؤسائهم » . وأضاف في التاريخ ملحوظة مفادها أن الأشعث خط جبانة كندة ، قال : « فاختط الأشعث جبانة كندة واختطت كندة حوله » « 2 » وفعل سعد الشيء نفسه بالنسبة للجامع والقصر . وهذا يعني أن القبائل منحت حرية التصرف في المكان المخصص لكل منها ، وفي التنظيم الداخلي للخطط . وكانت التهيئة المكانية للمركز من صلاحيات السلطة في حين أن تهيئة الخطط كانت ترجع بالنظر إلى القبائل . وتقوم دار الرئيس مقام العلامة المركزية الدالة على غرار القصر ، ويتواجه الجامع والجبانة ، فالجامع هو المكان الأول المحدد في الخطة والذي ينبغي أن يحتل منها المركز الهندسي . كما أن الجبانة قامت بدور المركز لتجميع القبيلة ، فكانت النقطة الحساسة ، والساحة العمومية ، وقلب الخطة النابض . كانت الجبانة ثمرة للعفوية الخلاقة في عالم القبائل لأن السلطة لم تتدخل في إقامتها ، فكان عليها أن تنجو منطقيا من تأثير الحضارات المحلية المحيطة ، وخلافا لذلك فهي ترجع إلى نسبها العربي . لكن ما هي سلالة التقليد الثقافي العربي المقصود ؟ فعلا ، لقد تراكمت وتجاوزت في الكوفة عدة عوالم عربية مختلفة نسبيا ، يمكن ترتيبها في أصناف ثلاثة : - قبائل قيس ومضر من رعاة النوق . وهم رحل وبدو من الطراز الأول ، منهم تميم وأسد وعامر وهوازن ، فضلا عن العشائر والحلفاء . - عالم المستقرين المتحضرين من الحجاز ، وكانوا من مكة ويثرب ( المدينة ) والطائف

--> ( 1 ) كتاب البلدان ، ص 310 . ( 2 ) التاريخ ، ج 2 ، ص 151 ، طبعة بيروت .